إنشاء السكك الحديدية في مصر كان بمثابة نقطة تحول في تاريخ البنية التحتية والنقل في المنطقة، وكان مشروع طموح بدأ بعقد تم توقيعه في أوائل خمسينيات القرن ال ١٩ بين الخديو عباس الأول وبين البريطاني روبرت ستيفنسون اللي كان مهندس مدني ومصمم للقاطرات. هو كان الابن الوحيد لجورج ستيفنسون، المعروف بـ “أبو السكك الحديدية” اللي اخترع القاطرة البخارية الحديثة. في الوقت ده، ماكانتش قناة السويس اتحفرت لسه، وكانت مصر بتمثل حلقة وصل مهمة بين أوروبا والمحيط الهندي. البريطانيين شافوا إن السكك الحديدية وسيلة لتسهيل حركتهم التجارية والعسكرية مع الهند، بينما الخديوي عباس كان عايز يحدّث بلده ويقوي اقتصادها. ومن هنا اتولدت فكرة إنشاء أول خط سكة حديد في أفريقيا والشرق الأوسط، اللي بيربط بين القاهرة واسكندرية، علشان يكون شريان جديد للتجارة والتنقل داخل مصر.
لكن الاتفاق على المشروع ما كانش سهل. حصل خلاف كبير بين الحكومة المصرية والبريطانيين بخصوص مسار الخط الحديدي. الحكومة المصرية كانت عايزة الخط يمر عبر دلتا النيل، عشان المدن والقرى اللي فيها وتجارتها المحلية تكون مستفيدة من المشروع، وكمان علشان الخديوي يستفيد شخصيًا ويقدر ينقل محاصيل العزب الخاصة بيه للأسواق مباشرة. أما البريطانيين، فكانوا بيفضّلوا طريق مباشر عبر الصحراء الغربية، علشان تكاليف الإنشاء تكون أقل والمسافة أقصر، وده يخدم مصالحهم الاستراتيجية بشكل أفضل. استمرت المفاوضات بين الطرفين، وكان المصريين مصممين إن السكة الحديد لازم تخدم بلادهم أولًا، بينما البريطانيين كانوا مركزين على السرعة والكفاءة لمصلحتهم الاستعمارية.
في الآخر، تم التوصل لحل وسط، واتفقوا إن الخط يمر على حافة الدلتا الغربية.، وبدأ العمل في المشروع سنة ١٨٥١، وبحلول سنة ١٨٥٤، تم الانتهاء من الجزء الأول اللي بيربط اسكندرية بكفر الزيات. وفي سنة ١٨٥٦، اكتمل الخط بالكامل لحد القاهرة، وده خلى مصر أول دولة في أفريقيا والشرق الأوسط تمتلك شبكة سكك حديد شغالة. كانت لحظة تاريخية، لأن الناس بقت تقدر تنتقل بين المدينتين في وقت قياسي مقارنة بوسائل النقل التقليدية. وكان المشروع ده خطوة كبيرة في تحديث مصر وربطها بالعالم الخارجي، لكنه في نفس الوقت زاد من النفوذ البريطاني على البنية التحتية المصرية، وده خلّى الناس يتساءلوا عن مدى استقلالية مصر في إدارة مشروعاتها الكبيرة.
ورغم الفوايد الاقتصادية والتجارية للسكك الحديدية، إلا إن تأثيراتها السياسية كانت بعيدة المدى، لأنها حطّت مصر تحت رحمة المصالح الأجنبية، وده أدى لتزايد النفوذ البريطاني في شؤونها الاقتصادية والسياسية. وعلى مدار السنين اللاحقة، كانت السيطرة الأوروبية بتتصاعد، لحد ما انتهى الأمر بالاحتلال البريطاني لمصر سنة ١٨٨٢. وهكذا، ما كانش خط السكك الحديدية مجرد إنجاز هندسي، بل كان شاهد على الصراع بين الطموح المصري والتدخل الأجنبي. كانت قصة امتزجت فيها الحداثة بالسياسة، ورسمت ملامح مستقبل البلد في عالم كانت القوى العظمى بتتحكم فيه.
المصادر:
- مصر والطرق الحديدية، محمد أمين حسونة، مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية، ٢٠٢٤.
- L’EGYPTE ET SES CHEMINS DE FER (Egypt and its railways), Lionel Wiener, 1932.

