علاقة الملوك بالسكة الحديد ما كانتش مجرد مركبة ملكية أو مصدر مهم من مصادر الدخل، لكن كانت في وقت ما أداة محورية لتشكيل جغرافية الوطن وكمان لاكتساب الشرعية للحاكم، وده اللي بيوضحه الفرق بين عباس الأول وعباس الثاني ونظرتهم للسكة الحديد. لو بصينا على الخريطة قدامنا هنلاحظ إن واحد من أهم خطوط السكة الحديد وأبعدها عن المركز في القاهرة هو الخط اللي بيربط بين اسكندرية ومطروح، واللي كان معروف بخط مريوط. الخط ده بالتحديد، زي ما جغرافية مصر في الوادي والدلتا كان ليها دور في تشكيل خطوط السكة الحديد الأولى، إلا إنه مع بداية القرن العشرين، السكة الحديد ساهمت في إعادة تشكيل الجغرافية المصرية وحدودها بشكل كبير.
الحكاية بتبدأ برحلة برّية للخديو عباس حلمي الثاني على حصانه في الأراضي الواقعة غرب اسكندرية وحتى مطروح، اللي دلوقتي معروفة بالساحل الشمالي. عباس حلمي لاحظ الإمكانية الزراعية الهائلة للأرض هناك، واللي كانت جنة خضرا في زمن الرومان ومكانهم المفضّل لزراعة العنب. في اللحظة دي قرر الخديو إنه يشتري عدد ضخم من الفدادين هناك وبدأ يستصلحها باستخدام طرق ري جديدة. مع الوقت زاد اهتمام الخديو بالجزء ده من مصر، وكان حاسس إنه ممكن يسيطر عليه بشكل غير منقوص خاصة بعد ما التضييق الإنجليزي عليه في القاهرة زاد. علشان كده قرر سنة ١٨٩٩ بدء بناء خط سكة حديد يربط كل الأراضي دي من اسكندرية لحد السلوم. الخط ده كان تجسيد لفكرة استخدام التنمية الاقتصادية وإحياء الأراضي كوسيلة لاكتساب الشرعية. لأن الإنجليز كانوا بيحاولوا يروجوا لاحتلالهم من خلال نفس الفكرة ويقولوا إن التحسن الاقتصادي في مصر والفرص الاستثمارية الكبيرة في عهدهم هي أكبر دليل على شرعية وجودهم، لأن ده هيرجع بالنفع على الشعب كله حتى لو كانت استثمارات فردية، فكان الخديو عباس حلمي بيحاول يكسبهم في لعبتهم دي من خلال سكة حديد مريوط. فالخط الجديد ده ما كانش بس مشروع اقتصادي مربح بيربط مزارعه وممتلكاته ويسوق منتجاته، لكنه كمان ساهم في إحياء المنطقة دي وإنعاش سكانها من بدو أولاد علي، وتقريبهم منه ومن مصر. الخديو بيحكي لأحد المراسلين عن ليلة بات فيها في خيمته، وكان صوت الإبل من القوافل العابرة مسموع طول الليل، وفي اللحظة دي قرر إنه لو تم بناء سكة حديد بين اسكندرية وبني غازي وطرابلس، فده هيغير وجه المنطقة ويغير سير القوافل ويفتح أسواق ومدن جديدة.
وبالفعل، تحقق اللي قاله، فبعد ما كانت مصر من غرب اسكندرية جزء مهمل ومش معروف عنه كتير، لدرجة إن مطروح في الوقت ده كانت مجرد قرية صيادين بتزدحم بس في الصيف بسبب وصول صيادين الإسفنج اليونانيين، لكنها تحولت بعد الخط ده لمركز إداري ثم مدينة قايمة بذاتها. الخط ده كان ملكية خاصة للخديو، وبيصرف عليه من دايرته الخاصة، علشان كده ما كانش ملكية الدولة رغم إنه اشترى المعدات اللازمة من هيئة السكة الحديد المصرية ، واشتغل فيه من البداية مساجين مصريين تابعين لديوان الأشغال. فكان الخديو هو المالك الأول، والإنجليز ما انزعجوش من ده في الأول، لأنهم ظنّوا إن الخط هيفشل وإنه مجرد لعبة لتسلية الخديو، وما فيش خطر سياسي من وراه.
الخط بدأ من الورديان غرب اسكندرية، ومرّ بمحطات زي المكس والعامرية ومريوط والحمام، لحد ما وصل في آخر امتداد له للجراولة قبل مطروح بقليل. الخط ده حّول المحطات دي لقري ومراكز مزدهرة، وأصبح فيه أربع أسواق يومية طوال الأسبوع في أربعة من المراكز دي على طول الخط. الخط ساهم في نقل مئات الآلاف من الأطنان من المواد الزراعية، خصوصا الشعير والتين، بالإضافة للأغنام، واللي بدأت تصل للأسواق دي حتى من أماكن بعيدة زي طرابلس اللي بتبعد آلاف الكيلومترات. كمان تم توقيع اتفاق مع هيئة السكة الحديد المصرية لتبادل الركاب في محطة الورديان، فبقى البدو في المنطقة دي قادرين يسافروا لمدن الوادي والدلتا المغطاة بشبكة السكة الحديد المصرية بسهولة وسرعة ما كانتش موجودة قبل كده.
وفي نفس الوقت، وفّر القطر وظايف ثابتة بمرتبات للبدو المنتشرين في المنطقة خلال عمليات بناء الخط، وكمان حولهم تدريجياً لمزارعين مستوطنين، خصوصا في زراعة الشعير بعد ما بقى ممكن يبيعوا منتجاتهم بسهولة. وعلشان كده، نتيجة للنجاح الاقتصادي ده، قدر عباس حلمي التاني في اللحظة دي يمد نفوذه وشرعيته بين القبائل دي في المنطقة البعيدة عن القاهرة، وبالتالي كان ولاءهم ليه شخصي بالأساس مش للحكومة المصرية ولا للإنجليز طبعاً. كمان رسّخ سلطة الدولة المصرية في كل المناطق من اسكندرية للسلوم، حتى من غير ما يكون فيه خرايط واضحة تحدد الحدود بين مصر وليبيا العثمانية في الوقت ده، وهي الحدود اللي لسه ثابتة لحد دلوقتي. وعلشان كده، حتى مع بداية الألفية الجديدة، كان البدو في المنطقة دي لسه بيذكروا الفضل لعباس حلمي في نشر العمران في المنطقة.
ورغم النجاح الاقتصادي والسياسي ده، إلا إن مغامرة عباس حلمي انتهت بشكل درامي. فبسبب ضائقة مالية كان بيمر بيها، قرر الخديو بيع الخط لشركة إيطالية مدعومة من الحكومة الإيطالية اللي كانت شايفه ليبيا العثمانية منطقة نفوذ ليها، وبدأت الحرب بالفعل لاحتلالها سنة ١٩١١. في اللحظة دي، ثار الإنجليز وحاولوا يمنعوا الخديو من إتمام الصفقة بحجة إن الخط معمول على أرض مصرية وإنه بيتباع لدولة أجنبية. كان هدف إيطاليا من الصفقة دي هو إقناع الخديو بتقليل دعم السنوسيين المقاومين ليها في ليبيا. وفي النهاية قرر الإنجليز شراء الخط بدلاً من الإيطاليين، وانتقلت ملكيته لسكك حديد مصر، وفضل مستمر في دوره لحد دلوقتي كأهم خط مواصلات بين دلتا النيل وواديه من ناحية، والشطر الغربي من مصر من ناحية تانية، وبيعتبر شاهد على دور السكة الحديد في تشكيل جغرافية مصر وتاريخها.
المصادر:
- – Desert Borderland The Making of Modern Egypt and Libya Matthew H. Ellis

