لكن إيه هي القواعد الأساسية اللي غفل عنها المهندسين الخبراء؟ يمكن تكون القاعدة الأولى والأهم هي الفيضان وارتفاع منسوب النيل اللي بيغطي الأراضي الزراعية في أوقات معينة من السنة. القاعدة دي كان معناها ببساطة إنه لازم قضبان السكة الحديد مش بس تتبني على مستوى الأرض، لكن أعلى من مستوى فيضان النيل عشان المياه ما تغرقش القضبان. المعرفة البديهية دي غابت عن المهندسين الإنجليز في بناء الكباري في الدلتا، وده اللي اكتشفه بالصدفة كبير المهندسين “هنري سوين برين” في أغسطس ١٨٥٢ لمّا مياه النيل غمرت كوبري كان تحت الإنشاء فوق إحدى القنوات في الدلتا، وكادت القضبان هتتدمر لو كانت اتركّبت، لكن لحسن الحظ، البناء ما كانش اكتمل وقتها. “هنري سوين برين” أمر بتعلية الكوبري فوق منسوب النيل في الفيضان علشان القطار يعدي عليه طول السنة، مش بس في شهور انحسار النيل.
المثال ده على تجاهل قواعد أساسية ما كانش استثناء في كوبري صغير، لكنها ممارسة استمرت حتى في بناء كوبري ضخم زي كوبري بنها. وقت ما بدأوا يعملوا القياسات اللازمة للكوبري ده، قرر هنري سوين برين ومعاونه إنهم يعملوا مسح لسطح الأرض في المنطقة دي في فبراير ١٨٥٣، لكن هبت عاصفة شديدة أجلت العملية دي، وده أثر على سير العمل والمواعيد المحددة. العاصفة دي ما كانتش من باب الحظ السيئ أو مجرد حدث عابر، دي كانت رياح متوقعة ومعروفة لكل الفلاحين والملاحين والجغرافيين المصريين في الوقت ده من السنة. عدم معرفة كبير المهندسين الإنجليز بالرياح الموسمية دي، سواء بسبب جهلهم أو إنهم ما اعتمدوش على مهندسين مصريين، كان سبب في التأجيل والتكاليف الإضافية، وده أمر ماكانتش أي شركة في إنجلترا هتتسامح معاه، لكن في مصر كان التأخير ده هو الطريقة الأساسية لتحقيق الربح.
في مثال تاني من كوبري بنها، تسبب الجهل الممنهج ده بالظروف البيئية والطبيعة في مأساة تانية، لمّا المهندسين الإنجليزقرروا يبنوا الأساسات بتاعة الكوبري في شهور الحصاد، خصوصًا في يونيو ١٨٥٣. القرار ده كان مبني على حساب إنهم يخلصوا الأساسات قبل فيضان النيل، وده كان ضرورة قصوى بالنسبة لهم، فاشتغلوا بكل جهدهم على وضع الأساسات في النيل وهو في حالة منخفضة. اللي ما حسبهوش بقى هو إن العمال اللي شغالين في المشروع هم نفسهم الفلاحين اللي مشغولين في الوقت ده من السنة بحصاد محاصيلهم أو شغالين في حقول البشوات، وعلى رأسهم الخديو، واستدعاءهم علشان يبنوا الكوبري في الوقت ده كان ممكن يسبب هلاك المحاصيل واضطراب الدورة الزراعية، وده اللي ما كانش الخديو هيسمح بيه. علشان كده لما جه الفيضان في السنة دي والأساسات ما كانتش اكتملت، قواعد الكوبري اتدمرت، وكان لازم يعيدوا بناءها في موسم انحسار الفيضان في السنة اللي بعدها. الدمار ده وإعادة البناء، بالإضافة للتأخير، كانت أسباب لتكاليف باهظة ما كانتش في الحسبان وقت توقيع عقد الامتياز.
التجاهل ده للقواعد الأساسية في البناء في مصر كان سبب في مواجهة أكبر، مش بس مع الطبيعة والنيل، لكن كمان مع أصحاب الأرض نفسهم. المهندسين الإنجليز ما كانوش فاهمين نقمة أصحاب الأرض وخوفهم من مصادرة أراضيهم بدون تعويض لصالح مشروع السكة الحديد. فنتيجة لغياب قانون الملكية الخاصة في الفترة دي، ما كانش منطقي إن الحكومة تصدر قانون ينظم نزع الأراضي وتعويض الناس زي ما كان في أوروبا. فكانت المسارات الخاصة بالقطار بتمر في أراضي الفلاحين بدون خطة واضحة لتعويضهم. النقطة دي اللي كانت غايبة من حسابات المهندسين التقنيين، سببت لهم مشاكل كتيرة أثناء بناء الكوبري وفي أماكن تانية. المهندسين كانوا بيعتمدوا على عمدان خشبية وأدوات تانية تتغرز في الأرض عشان يحددوا المسافات والمسار الخاص بالقطار. والفلاحين قرروا يغيروا أماكن العمدان الخشبية دي أو يسرقوها كوسيلة لتفادي مرور القطار في أراضيهم، وبالتالي ده سبّب تشويه في عملية القياس واحتاجوا يعيدوها كذا مرة. مش الفلاحين في منطقة الكوبري بس اللي كانوا سبب التأخير ده، لكن كمان الفلاحين نفسهم اللي كانوا شغالين في بناء الكوبري.
وحتى مع توفر الأيادي العاملة بعد الحصاد، كانت ظروف العمل في بناء الكوبري كفيلة إنها تخلي الفلاحين يهربوا، وده كان بيأثر على سير العمل في المشروع، لأن مطلوب منهم يشتغلوا في غياب أي مراعاة لاحتياجاتهم سواء كان المأوى أو الأكل أو غيرها. وفي نفس الشهر اللي كان فيه هنري بيعمل المسح ده، جاله خبر من أحد مهندسيه إن ١٠٠ جنيه اتسرقت من خيمته زائد ٩ أميال من الحديد. السرقات دي كانت شايعة بين العمال كوسيلة لتعويضهم عن ظروف العمل الصعبة والمعاناة اللي مروا بيها، أما وسيلتهم التانية للمقاومة فكانت الهروب. مع مرور الوقت، أصبح هروب الفلاحين من العمل في مشاريع السكة الحديد ظاهرة منتشرة شبه منظمة، حتى قبل ما تنشأ الحركة العمالية بمعناها المعروف في نهاية القرن ال ١٩. وده خلّى الإنجليز يستعينوا بالخديو عشان يوفر قوة لحراسة الفلاحين وتحديد حركتهم، لكن ده كمان ما جابش أي نتيجة.
- رسالة دكتوراه غيرة منشورة – Engineering Profit: Egyptian Railroads and the Unmaking of Prosperity 1847-1907 Rana Baker

