فبراير 24, 2026

الكباري فوق النيل

ربما تكون الكباري اللي بتمر عليها القطارات دلوقتي تبدو حاجة بديهية في أي مدينة على النيل زي دمياط أو المنصورة أو القاهرة، بس الكمّ الموجود ده من الكباري كانت نتاج لرحلة طويلة من التجربة والخطأ بدأت بحادثة مهمة غيرت تاريخ مصر، وكانت السكة الحديد وقطاراتها مسرح ليها.
في مايو ١٨٥٨، وأثناء عودتهم من عشاء ملكي مع الخديو، كان ولي العهد في الوقت ده أحمد رفعت باشا وأخوه حليم باشا راجعين بالقطار من اسكندرية. في الوقت ده كان القطار محتاج يعبر النيل في منطقة كفر الزيات على عبارة نيلية، حيث إن الكباري ما كانتش الخيار الأول للمهندس ستيفنسون لأنه كان شايفها “باهظة التكاليف”، فتم استبدالها بالعباّرة.

كان ستيفنسون متوقع إن العبّارة مش هتحتاج أكتر من ٦ دقايق علشان تعبر النيل، وهتحتاج كمان مجهود بدني وعملية بسيطة من العمال علشان يشغلوها. لكن بعد ما اشتغلت العبارة، اتضح إنها كانت بتاخد أكتر من ساعتين علشان القطار كله يعدّي، وبتحتاج مجهود رهيب وتنسيق دقيق بين كل العمال عشان يركبوا القطار عليها، بل وكان لازم إخلاء القطار من الركاب حفاظًا على حياتهم. لكن في الليلة دي، في رمضان ١٨٥٨، كان القدر له رأي تاني.. كالعادة طُلب من الأمراء ينزلوا من القطار لغاية ما العمال يركبوه على العبارة، لكن الأميرين رفضوا وفضّلوا البقاء للراحة. في الوقت ده، ما حصلش التنسيق المطلوب بين العمال، فاندفعت العربية بقوة قبل ما يركبوها على العبارة، وسقطت في مياه النيل. في الحادثة دي، غرق ولي العهد، وبقى أخوه، نصف الشقيق لإسماعيل، هو ولي العهد وبعدين خديو، وده غيّر شكل السكة الحديد ومصر كلها.

الإنجليز استغلوا الحادثة دي علشان يثبتوا إن العمال المصريين زي الحيوانات في قوتهم العضلية، لكنهم ما يقدروش يتعاملوا مع المسائل التقنية المعقدة زي العمال في أوروبا. في كلامهم ده الإنجليز مش بس أغفلوا مئات المرات اللي نجح فيها العمال المصريين في تشغيل العبارة قبل الحادثة دي، لكنهم كمان أغفلوا السبب الرئيسي وهو إنهم ما عملوش جسر من البداية في المكان ده علشان يوفروا الفلوس اللي نص عليها عقد الامتياز. كمان التقديرات الخاطئة لزمن تشغيل العبارة وسهولة تشغيلها ما كانتش موضع انتقاد الإنجليز. في النهاية، الحادثة دي كانت بداية لمرحلة جديدة هي بناء كباري للسكك الحديدية على فروع النيل المختلفة، لكنها كمان كانت استمرار لطريقة إدارة الإنجليز للمشروع وتحقيقهم أرباح من خلاله بأي طريقة ممكنة.

في بريطانيا وأوروبا بشكل عام، كان المهندسين بيقدموا نفسهم كخبرا ملمّين بكل الظروف المحيطة بمشروعهم، وقادرين يبنوا سكك حديد تتحمل الزمن، في مواعيد محددة وبدون تأخير، ومن هنا كانوا بيقدروا يحصلوا على تمويل من البنوك ويحققوا أرباح من المستهلكين. لكن في مصر الوضع كان عكس كده؛ بناء كباري السكة الحديد ومنها كوبري بنها، أظهر إن المهندسين الإنجليز وعلى رأسهم روبرت ستيفنسون إما جهلوا أو تجاهلوا قواعد أساسية مرتبطة بالبناء (زي الملكية الخاصة، الفيضان، مواسم الحصاد، والظروف المناخية في مصر) كوسيلة لتحقيق ربح غير منصوص عليه في عقد المشروع. الجهل أو التجاهل المتعمد للقواعد دي كان سبب في مشاكل كتيرة وتأخير، وتدمير مباني قائمة، وده خلّى بناء الكباري مشروع مكلف جدًا لمصر، لكنه مربح بشكل كبير للشركة والمقاول الإنجليزي.

المصادر

  1. On Time: Technology and Temporality in Modern Egypt
  2. رسالة دكتوراه غيرة منشورة – Engineering Profit: Egyptian Railroads and the Unmaking of Prosperity 1847-1907 Rana Baker