“يا أبو اللبايش يا قصب، عندنا فرح واتنصب”، ربما صادفتنا الأغنية دي في واحدة من الصفحات المهتمة بالتاريخ والذاكرة في مصر، لأن الصور اللي في الأغنية بتحكي حكاية قصب السكر خصوصا في الصعيد، ودوره في تشكيل تاريخ وجغرافية المساحة دي من بلدنا. هنلاحظ إن واحدة من العربيات المعروضة مكتوب عليها إنها مخصصة لنقل محصول قصب السكر، فالقصب كان ليه وما تزال سكك حديد خاصة بيه بتشتغل بس أثناء الموسم.
بداية سكك حديد القصب ارتبطت ارتباط وثيق في الصعيد بالملكية الخاصة لكبار الملاك وعلى راسهم الخديو، اللي امتلك آلاف الأفدنة من الأراضي، من الجيزة لغاية أسيوط. الأفدنة دي كلها كانت خصبة علشان وجودها بين بحر يوسف وترعة الإبراهيمية، ودي الترعة اللي أنشأها الخديو علشان توفّر الري الدائم للمحاصيل الصيفية في الصعيد، في نفس التوقيت اللي مد فيه خط السكة الحديد من بولاق الدكرور في القاهرة، لغاية المنيا.
كان الخط الرئيسي ده هو الجذع اللي بتتفرع منه الغصون اللي هي السكك الخاصة الفرعية. السكك الحديد الصغيرة دي ما كانتش حكومية زي الفرع الرئيسي، إنما ملكية للخديو وجزء لا يتجزأ من مزارع القصب الخاصة بيه، واللي بتديرها الدائرة السنية. السكك الحديد دي كانت عصب زراعة قصب السكر وتصديره علشان يبقى مربح، خصوصا في ظل ديون الخديو التقيلة، لأن القصب بيحتاج بمجرد حصاده إنه يتنقل لمصافي علشان يتعصر السكر منه، وكل ده في أقل من ٢٤ ساعة، وإلا فقد كمية كبيرة من السكر اللي فيه.
علشان كده قامت السكة الحديد بالمهمة دي، ووفرت على العزب الضخمة احتياجها للدواب. ومن الوقت ده بقت مصافي القصب هي المحطة الرئيسية للسكة الحديد في العزب الضخمة دي، فيكون طرف السكة الأولاني عند المزارع لنقل القصب، والطرف التاني بيمتد للنيل أو للسكة الحديد الرئيسية علشان نقل السكر للأسواق أو لمواني التصدير.
مع الوقت مزارع القصب الخديوية بقت مستعمرات متكاملة: فنلاقي مساكن للمهندسين الأوربيين ومصانع ومخازن، بالإضافة لآلاف من الفلاحين الفقرا، ودول فقدوا أراضيهم وعايشين على الكفاف، ومغروزين في زراعة القصب بالذات دونا عن غيره من المحاصيل اللي ممكن تسد جوعهم، في عزب متصممة علشان تتحكم في حركتهم وتضمن استمراريتهم في الاستثمار المربح ده للخديو.
تشكيل الخديو للعزب دي أصلا كان جزء من خطة أكبر لخدمة تجارته الخاصة. الخطة دي تضمنت تصميم السكة الحديد الرئيسية نفسها علشان تناسب احتياجات مزارعه قبل أي شيء. فمن ناحية قرر يمد خط السكة الحديد الرئيسية لغاية أسيوط، مش بس لأنها مدينة مهمة، إنما كمان لأنها الحد الجنوبي لمعظم مزارعه في الصعيد، واللي تجاوزت خمسين ألف فدان. بكدا ممكن نقل السكر للقاهرة بدون عناء، وبمجرد وصوله للقاهرة بيتنقل بخط مباشر خاص اسمه خط الخططابة، بيمر من خلال الصحرا لاسكندرية، وبيوصل بين بولاق الدكرور وإيتاي البارود، من غير ما يمر بمراكز الدلتا الزحمة وعلى راسها طنطا، بنفس الطريقة اللي اقترحها الانجليز على الخديو عباس.
علشان كده مش من المبالغة إننا نقول إن القصب وسككه الحديدية شكّلوا بدرجة كبيرة جغرافيا التنقل في الصعيد وحركة الناس فيه. التشكيل ده خدم أولا مصالح الخديو وكبار الملاك من بعده، مش الفلاحين زي ما حصل في الدلتا. ومع ذلك فالقصب وسكره ما نجحوش في إنقاذ الخديو من الديّانة، واضطر يرهن مزارعه وسككها الحديدية لجل ياخد قروض تانية، وده أدى في النهاية لعزله. وعلشان ديونه تتصفى اتنقلت ملكية العزب الضخمة دي لكبار الملاك من المصريين والأجانب اللي استفادوا من البنى التحتية زي السكة الحديد، وزي العزب نفسها كنظام إقطاعي بيتحكم في الفلاحين المعدمين وبيجبرهم على العمل واستخلاص الثروة منهم، علشان تتنقل بعيد على عربيات مكتوب عليها “قصب السكر”.
المصادر:
- رسالة دكتوراه غيرة منشورة – Engineering Profit: Egyptian Railroads and the Unmaking of Prosperity 1847-1907 Rana Baker

