الجدول اللي قدامنا لقطارات السكة الحديد ومواعيدها يبدو شيء بديهي ومنطقي في كل وسايل النقل في العالم، لكن ده ما كانش هو الحال لأكتر من ربع قرن من بداية السكة الحديد. رغم بدايتها المتواضعة في نص القرن ال ١٩ في مصر، زاد عدد القطارات ثلاث مرات على الأقل في ستينيات القرن ده لما بدأ يظهر إن قناة السويس هتشتغل قريب وتستبدل الأجانب والإنجليز أهم زباين القطار. كانت نتيجة ده هي انتشار القطار في مصر وخاصة الدلتا، ووصل في نص السبعينيات من القرن ده لـ ٢٤٠ قاطرة و٦٠ شركة و٤٠٠٠ عربة بتجري على الشبكة الوليدة دي. المشكلة الأساسية كانت إن مفيش مواعيد ثابتة أو نظام لكل القطارات دي. يعني السكة الحديد المصرية ما لحقتش باقي السكك الحديدية في أوروبا وأمريكا اللي كان عندهم مواعيد ثابتة من الخمسينيات تقريبًا، أو بريطانيا اللي كان فيها مواعيد للقطارات بين مانشستر وليفربول في الثلاثينيات من صنع ستيفنيون نفسه. كان المنطق في حركة القطارات هو الراكب وتراتبيته. فمثلاً، من البداية، السكة الحديد كانت بتدي الأولوية للإنجليز اللي رايحين الهند عن طريق مصر، عشان كده القطار كان دايمًا يستنى وصول الباخرة بتاعة شركة “بي أند أو” في اسكندرية ونزول ركابها واستعدادهم للرحيل. عشان كده القطار كان بينطلق رحلتين في الأسبوع من الإسكندرية للقاهرة على حسب ميعاد الباخرة، فيضطر الفلاحين يستنوا بالساعات في محطاتهم في الدلتا ومعاهم مزروعاتهم حتى لو أتلفها الانتظار. نتيجة للأولوية دي، ما كانش فيه للفلاحين إلا عربيات الدرجة التالتة، حتى لو كانوا قادرين يشتروا تذاكر أغلى. وفي المرتبة الأعلى من الفلاحين والأوروبيين كانت عربية الخديو وعربيات النبلاء زي ما قولنا. كان القطار في بعض الأحيان بيقف في الريف علشان الأعيان يركبوا مباشرة من عزَبهم وإقطاعياتهم. وكان عدم وجود نظام ده سبب استهجان من الأوروبيين وتدليلهم على فساد الحكم في مصر، لكن مع ذلك، كان القناصل الأوروبيين لما بيوصلوا الإسكندرية، بيبقوا مصرّين على أولويتهم في ركوب القطار للقاهرة حتى لو ده خلّى القطار يرجع من نص الرحلة عشان يركبوه.
بدأ تغيير المنظومة دي لأسباب اقتصادية زي الفحم، وثقافية وسياسية من أهمها قدوم علي مبارك كرئيس لمصلحة السكة الحديد. علي مبارك والخديو إسماعيل كانوا زملا في باريس وقت بعثتهم هناك، واتعرفوا مع بعض على الوقت الحديث والساعات وجداول المواعيد. ولذلك كان من أهم رجال إسماعيل في تنفيذ حلمه علشان يخلي مصر قطعة من أوروبا. فبقى المهندس ده هو المسؤول الأول عن التعليم والسكك الحديدية وتخطيط المدن. واتبع في المسؤوليات دي مبادئ الحداثة، وأهمها الوقت “الأفرنجي” وساعاته الأربعة والعشرين اللي بتبدأ في منتصف الليل، على عكس التوقيت الإسلامي اللي بيبدأ اليوم بغروب الشمس. التوقيت الأفرنجي ده بقى الأساس في تقسيم نوبات العمل وزمن الرحلات وحتى العقوبات في السجون. وكان علي مبارك مهتم جدًا بإدخال نظام الوقت الحديث للمدارس وللسكة الحديد. فطبع أول جدول للقطارات في ١٨٧٠ بين القاهرة والإسكندرية، وبعدها طبع جدول لكل القطارات في ١٨٧٧. الجداول دي كانت بتتطبع في جريدة “وادي النيل”، ودي كانت الجريدة الخاصة الوحيدة في مصر وقتها. ممكن نقول إن علي مبارك ومنظومة السكك الحديدية كانوا أحد أهم أسباب انتشار استخدام التوقيت الأفرنجي في مصر وشيوعه لحد ما بقى هو المرجع الأساسي. لكن أهم سبب لوضع الجدول ده ما كانش الثقافة ولا الانبهار بالحداثة الأوروبية وكفاءتها بس، لأ ده كان لسبب أبسط من كده بكتير، اللي هو الفحم.
المصادر

