مارس 2, 2026

محطة رمسيس

محطة رمسيس أو باب الحديد موجودة في قلب القاهرة دلوقت، والمحطة وقضبانها بتقسم المدينة لأحياء مهمة، زي شبرا وروض الفرج من ناحية، والضاهر والعتبة ووسط البلد من ناحية تانية. في نفس المحطة والميدان اللي حواليها، فيه نقطة متخيلة كأنها مركز دايرة لكل المواصلات داخل القاهرة الكبرى أو منها لكل المحافظات شمالًا وجنوبًا. هنسمع فيها نداءات زي بولاق أو السيدة عيشة، وكمان نداءات زي اسكندرية، أو المنصورة، أو حتى قنا. لو بصينا حواليينا هنلاقي كل أنواع المواصلات في مكان واحد، من أول المترو، والأتوبيس، والميكروباص، والتاكسي، والموتوسيكل، مروراً بالترام اللي كان موجود زمان، وكل ده جنب المحطة والقطار في نصها. كل الخطوط دي بتبدأ من رمسيس، وبتنطلق لكل شبر تقريبا في مصر، مش بس في القاهرة. علشان كده، الميدان ده بيستقبل وبيودع يوميًا تقريبا ملايين الأشخاص والبضايع اللي جايين من كل اتجاه ورايحين لكل اتجاه. الحيوية والحركة الكبيرة في المكان ده بتبدو منطقية خصوصا لأنه في مركز المدينة دلوقتي. لكن في الحقيقة، ما كانش الوضع كده في البداية؛ لأن المنطقة اللي اتبنت فيها المحطة كانت بتعتبر في الماضي الطرف الشمالي للقاهرة التاريخية، وما كانتش مأهولة بشكل كبير لحد بدايات القرن ال ١٩. وجود المحطة في البقعة النائية دي ما كانش استثناء، بل كان المعتاد إن محطات القطارات تتبني على الأطراف لأنها كانت بتحتاج مساحات شاسعة للاستخدام والتخزين، وده كان هيبقى صعب توفيره متاح في وسط أي مدينة قديمة من غير إزالات ضخمة أو دفع تعويضات كبيرة لأصحاب الأراضي.

كمان، المحطات كانت بتخلق حالة صناعية حوالين المكان بسبب وجود العمال والورش والمخلفات، وده بيخلّى السكن حوالين المحطة مش جذاب، سواء كاستقرار أو مجرد فندق عابر.

ورغم إن المحطة اتبنت على طرف المدينة، إلا إنها بسرعة أثرت على شكل المدينة ومركزها بدرجة كبيرة. بمجرد خروجنا من المحطة، هنلاقي قدامنا شوارع كبيرة بتوصل لميادين زي التحرير والعتبة والعباسية. الشوارع الكبيرة الواسعة دي، ما كانتش شائعة في العصور السابقة لا في مصر ولا في أوروبا. إنما الشوارع دي اتولدت من رحم عملية تحديث ضخم حصل في منتصف القرن ال ١٩. للوهلة الأولى، الشوارع دي هتبدو كأنها خط سكة حديد مستقيم وممتد بيربط نبين قطتين بأقصر طريقة ممكنة، وده يمكن اللي خطر في بال المخطط العمراني “هوسمان” وهو بيعيد تشكيل باريس الجديدة، واللي استلهمت منها القاهرة أشكال التخطيط العمراني دي.

ربما الشوارع دي كان هدفها عسكري بالأساس، علشان تسهل دخول الجيش بسرعة ويتحكم في المدينة، لكن الهدف التاني المهم كان تسهيل حركة المرور الكبيرة مع بداية عصر السكة الحديد. وصول السكة الحديد من اسكندرية للقاهرة في أواخر خمسينيات القرن ال ١٩، تلاه بعد سنين قليلة إنشاء حي الإسماعيلية أو وسط البلد بشوارعه المعروفة في الستينيات. عدد ركاب السكك الحديدية، على سبيل المثال، ارتفع من ٢ مليون في نهاية عهد إسماعيل لغاية ما وصل لـ ٣٠ مليون في ثورة ١٩١٩. السكة الحديد، وفي قلبها محطة رمسيس، حملت ملايين الأطنان من البضايع حوالين مصر مع بداية القرن العشرين. الكم الهائل ده من البشر والبضايع ما كانش معهود قبل كده، وده خلى المحطة الرئيسية للقطار في أي مدينة، وخاصة العاصمة، محاطة بشبكة ضخمة من وسايل النقل والطرق الواسعة علشان تسهل مرور اللي القطارات كانت شايلاه.

بالقرب من المحطة كان فيه تلات شوارع مهمة، هي شارع شبرا، وشارع الصحافة، وشارع عماد الدين. الشوارع المحورية دي أثرت وتأثرت بوجودها جنب السكة الحديد. بداية بشارع وحي شبرا، اللي كان أراضي زراعية قبل كده، ومع الوقت بقى حي عمالي بامتياز بسبب وجود ورش ومساكن عمال السكك الحديد والترام فيه. الوجود المكثف للعمال في المنطقة دي خلّاها معقل للحركة العمالية، خاصة أثناء الثورات والانتفاضات فعلى مدار القرن العشرين. ده ساهم كمان في انتشار الحراك العمالي والأفكار المرتبطة بيه في كل أنحاء مصر من خلال عمال وموظفي السكك الحديد.

الشارع التاني هو شارع الصحافة، واللي فيه مجموعة من المؤسسات الصحفية المهمة، وعلى رسها الأهرام. المؤسسات دي كانت بتعتمد على السكك الحديدية في توزيع منتجاتها الثقافية وعلى راسها الجرايد. على سبيل المثال، كان البريد المصري بيوزع حوالي ٥١ مليون جواب وطرد سنويًا قبل الحرب العالمية الأولى، ثلثهم على الأقل صحف وجرايد. الامتزاج ده بين الصحافة والسكك الحديدية ووجود شارع الصحافة جنب محطة رمسيس ساعد بشكل كبير في الهيمنة الثقافية للعاصمة على باقي الأقاليم.

الشارع التالت القريب من المحطة هو شارع عماد الدين، اللي كان في النص الأول من القرن العشرين عبارة عن مؤسسة متكاملة لإنتاج الثقافة والموسيقى والفن بكل أشكاله. من ناحية فقربه من المحطة خلاه يكون وجهة رئيسية لكل القادمين للعاصمة بغرض الاستكشاف أو الترفيه أو دخول مسارحه. ومن ناحية تانية، الأغاني والفنون اللي بتنتج من المنطقة دي وشعبيتها وتسجيلها على أسطوانات، كانت بتنتشر وبتتباع في كل أنحاء مصر بفضل توزيعها من خلال السكة الحديد.

الشوارع دي وعلاقتها الوثيقة بمحطة رمسيس وقطاراتها ساهمت في نشر الأفكار والثقافة والفنون من القاهرة لكل أنحاء مصر، وخلت اللهجة القاهرية هي اللهجة المصرية الأولى. علشان كده شبكة السكة الحديد في مصر زي عاملة زي أسلاك العجلة (الدرّاجة الهوائية)، كل الطرق بتتجمع فيها في القاهرة، وفي المنتصف منها محطة رمسيس، ومن هناك بتخرج لكل شبر في بر مصر.

المصادر