في واحدة من أمسيات ربيع شهر مارس سنة ١٨٥٤، كان المهندس الإنجليزي هنري سوين برين لسه قاعد في مكتبه، رغم إن يوم العمل كان انتهى من ساعات. في الأمسية دي اللي كانت تحديدا يوم ٨ مارس كان هنري بيشتغل على تصميم واحدة من أهم محطات السكة الحديد اللي وقع عقدها من أيام قليّلة لغاية ما الدنيا ليّلت، لدرجة إنه ما عادش قادر يشوف قلمه الرصاص زي ما كتب في مذكراته. المدينة دي ما كانتش معروفة للأوروبيين، ولا هي في مينا لتصدير القطن زي اسكندرية، ولا حتى عاصمة الحكم في القاهرة، إنما كانت لمدينة في قلب الدلتا ما كانتش معروفة قبل كده خارج مصر. المدينة دي هي طنطا.
قبل اللحظة دي بشهور قليّلة ما كانش الصراع اتحسم بين الخديو والشركة الإنجليزية حوالين مسار أو قطر سكة حديد في مصر، وإذا كان هيمر على طنطا أصلا. لأن الانجليز، سواء كانت الحكومة أو الشركة المنفذة للقطر، كانوا بيفضلوا إن الطريق من اسكندرية للقاهرة يكون خارج الدلتا، إنما يكون في الصحرا علشان ينقل الركاب الانجليز مباشرة من سفنهم في اسكندرية لمحطة القاهرة، قبل ما ينقلهم للسويس مرة تانية بشكل مباشر بردو، في الطريق اللي اتعرف باسم الطريق البري للهند. بس رغم كده قرر الخديو وديوانه إن القطر يمر من الدلتا مش من الصحرا، وإن تكون أولويته نقل المصريين وخصوصا الفلاحين لأسواقهم ومقصدهم، حتى لو ده هيزوّد الوقت اللي بيقضيه المسافر الأوروبي في رحلته البرية للهند. قرار الخديو ده كان مبني على إدراك إن المصريين وخصوصا الفلاحين وبضايعهم هيكونوا المصدر الأساسي لدخل القطر، ومن غيرهم القطر مش هيشتغل كويس وحيقق دخل، بل إنه ممكن يقف تماما، زي ما حصل بعد كده في قطر القاهرة السويس اللي كانت معتمد بس على الأوربيين.
ونتيجة للقرار ده، كان من المنطقي إن تكون عقده الوسط في السكة الجديدة هي المدينة اللي بتستضيف أهم مولد في مصر، وفيها أبكر سوق في الدلتا. موقع طنطا بين القاهرة واسكندرية بالإضافة لحارسها الولي السيد البدوي خلوها المركز الجديد للدلتا، وهنا هي تفوقت على مدن أقدم وأكبر زي المنصورة، أو مراكز صناعية زي المحلة. فمثلا المولد اللي كان بيزوره قبل القطر حوالي ١٥٠ ألف شخص، بقى عدد زواره في أواخر القرن التسعتاشر بعد دخول القطر أكتو من نص مليون بني آدم.
السكة الحديد مش بس سرّعت الرحلة لطنطا ومولدها، إنما كمان قلّلت من تكلفتها وحمولتها اللي كانت كبيرة وبتحتاج يومين على الأقل سواء بري أو نهري. علشان كده اتبنت المحطة قريبة جدا من جامع السيد البدوي، والاتنين اعتمدوا على بعض، فالمولد ما كانش مجرد حدث ديني له علاقة بقطب صوفي، إنما كامن كان حدث اقتضادي بامتياز، وما كانش فيه تناقض بين كل ده، فالفلاح اللي جاي من قرى الشرقية والدقهلية، والتاجر اللي جاي من دمياط، كانوا بيجمعوا بين الصلاة والأذكار، وبين التجارة وتبادل السلع وتسديد الديون الزراعية وغيرها من منافع الدنيا. كان مولد وسوق في نفس الوقت بيجمّع الاحتياجات الروحية والمادية في مكان واحد ولحظة واحدة، وده خلاه عصي على فهم بعض الرحّالة والمؤرخين الغربيين بعد كده، نتيجة لتصورهم إن الاقتصاد والدين ثنائية متناقضة ومنفصلة مش بيجتمعوا، لكن الحقيقة إن طنطا ومولدها كانت التجسيد الحي للجمع بين النشاطين دول.
في العادة كانت محطة طنطا – اللي صممها هنري سوين برين وما امتدش بيه العمر علشان يشوفها – كانت زحمة طول الوقت، لكنها في وقت المولد كانت بتبقى “مشحونة” على حد وصف علي مبارك ليها. من كل مكان في الدلتا في الوقت ده من السنة الهجرية كان الفلاحين بييجوا طنطا بمحاصيلهم المختلفة من الحبوب زي القمح والشعير وغيرها، واللي كانت مهمة ومربحة أكتر من القطن بالنسبة للمصريين واهتمامتهم. في المولد ما كانتش المحاصيل بتتباع بفلوس، وإنما كانت لتسديد ديون السنة الفايتة وكمان يشتروا اللي يلزمهم للدورة الزراعية الجديدة. علشان كده كانت الدورة الزراعية والسنة الهجرية هما الزمن المهم بالنسبة للفلاح، وبالنسباله كمان الحبوب هي المحصول الأهم مش القطن، وأخيرا طنطا ومولدها هي المكان اللي بيقصده مش مدن تانية مرتبطة باقتصاد التصدير العالمي القايم على القطن ومدنه زي اسكندرية ومانشستر. علشان كده ومع الوقت بقت طنطا مرتبطة بكل مدن الدلتا زي المنصورة والزقازيق ودمياط ورشيد، فكانت هي المحطة اللي فيها بتكتسب المحاصيل قيمة جديدة وتبقى مربحة للفلاح اللي زرعها. كمان ما فيش قطر بيروح من القاهرة لاسكندرية أو العكس إلا ويمر بيها، وبكده بقت كل الطرق تؤدي إلى طنطا.
- رسالة دكتوراه غيرة منشورة – Engineering Profit: Egyptian Railroads and the Unmaking of Prosperity 1847-1907 Rana Baker

